محمد حسين الذهبي

484

التفسير والمفسرون

وسبعة آلاف علم ، وسبعون ألف علم ، على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة ؛ إذ لكل كلمة ظهر وبطن ، وحد ومطلع ، وهذا مطلق دون اعتبار التركيب وما بينها من روابط ، وهذا ما لا يحصى ، وما لا يعلمه إلا اللّه « 1 » اه . وأخيرا عقب السيوطي على هذه النقول وغيرها فقال : ( وأنا أقول : قد اشتمل كتاب اللّه العزيز على كل شئ ، أما أنوع العلوم فليس منها باب ولا مسألة هي أصل إلا وفي القرآن ما يدل عليها ، وفيه عجائب المخلوقات ، وملكوت السماوات والأرض ، وما في الأفق الأعلى وما تحت الثرى وو . . . إلى غير ذلك مما يحتاج شرحه إلى مجلدات « 2 » ) اه . ومن هذا يتبين لك كيف ظهرت آثار الثقافات العلمية للمسلمين في تفسير القرآن الكريم . وكيف حاول هؤلاء العلماء المتقدمون أن يجعلوا القرآن منبع العلوم كلها ، ماجد منها وما يجد إلى يوم القيامة . ولو أنا تتبعنا سلسلة البحوث التفسيرية للقرآن الكريم ، لوجدنا أن هذه النزعة - نزعة التفسير العلمي - تمتد من عهد النهضة العلمية العباسية إلى يومنا هذا ، ولوجدنا أنها كانت في أول الأمر عبارة عن محاولات ، يقصد منها التوفيق بين القرآن ، وما جد من العلوم ، ثم وجدت الفكرة مركزة وصريحة على لسان الغزالي ، وابن العربي ، والمرسى ، والسيوطي ، ولوجدنا أيضا أن هذه الفكرة قد طبقت عمليا ، وظهرت في مثل محاولات الفخر الرازي ، ضمن تفسيره للقرآن . ثم وجدت بعد ذلك كتب مستقلة في استخراج العلوم من القرآن ، وتتبع الآيات الخاصة بمختلف العلوم ، وراجت هذه الفكرة في العصر المتأخر رواجا كبيرا بين جماعة من أهل العلم ، ونتج عن ذلك مؤلفات كثيرة تعالج هذا الموضوع ، كما ألفت بعض التفاسير التي تسير على ضوء هذه الفكرة . ونرى أن نؤجل البحث عن التفسير العلمي في هذه المرحلة الأخيرة إلى خاتمة الرسالة ؛ حيث نعرض لألوان التفسير في العصر الحديث إن شاء اللّه تعالى .

--> ( 1 ) الاتقان ج 2 ص 138 ( 2 ) الاتقان ج 2 ص 129 - 232